فراشات نوفمبر


2 نوفمبر

"طيب ممكن توصيفيهولي ؟ حاولي كده."

كرهت نظارته لأنها تخبئ طيبة عيناه, تتمنى لو عندها معطف أبيض مثله, به فتحة لتضع يدها في جيب بنطالها. سكتت لبرهة كأنها تقرر شيء مهم.

"بص هوه طويل, أطول منك..."

خالد أطول منها بقدم تقريبا, تفوح منه رائحة تبغ حلوة, لا تضايقها أبدا. أسمر سمرة خفيفة, كأنه جلس في الشمس يوما كاملا بدون قبعة. دائما يرتدي جينز مهترئ بحجة أنه مريح و يخبئ قدميه النحيفتين في أحذية "موكاسان" ناعمة و طرية كالوسادات. موسيقار, يعزف على البيانو, يعطي دروسا في مركز ثقافي لتعليم الأطفال الفنون. قابلته أمام ثلاجة أيس كريم عند حلواني صغير في وسط البلد. طلبا نفس النكهات: شيكولاتة و ليمون, "في كوباية مش بسكوت".

9 نوفمبر

"عملتي إيه الأسبوع إللي مشفناش بعض فيه؟"

"طيرنا أنا و خالد طيارة ورق..."

مشيا من الحلواني بوسط البلد إلى الحسين و من هناك ذهبا إلى حديقة الأزهر. ضحكت كثيرا عندما عرفت أن الحقيبة التي حملها معه بها طائرة كان قد صنعها لها من الورق المقوى و أغصان شجر غير متناسقة الأحجام. على هضبة واسعة بها أشجار قليلة, تركا حاجاتهم و خلعا أحذيتهم تاركين موكاسان جملي و صندل أبيض جنب بجنب.

حركت الرياح الطائرة بنعومة فوق رأسيهما و لما زادت سرعتها تركا حبل الطائرة الشفاف قليلا ليرخى من على قطعة الخشب بين يداهم. ركضا معا, يغمسان قدميهم الحافية في العشب الندي, يسابقا فراشة بجناحين صفراوين أصفر باهت مثل الأبيض. طارت الفراشة قريبا من طائرتهم الهزيلة كأنها تحاول أن تثبت أنها الأقوى.

فازت الفراشة في السباق و أثبتت أنها تخبئ أشياء أخرى تحت جناحيها. قرأت مرة في مجلة عن تلك الفراشات, حكيت لخالد و هما يرتديان أحذيتهم. هي فراشات تظهر مرتين فقط في السنة, مرة في إبريل و مرة في نوفمبر.

نظرت إليه في معطفه الأبيض, لون الفراشات أحلى. ابتسمت,

"تخيل لو تقدر تعيش مرتين."

16 نوفمبر

"شكلك مهموم النهارده. تحبي تحكيلي عن اللي مضايقئك؟"

لم يكن مرتديا معطفه الأبيض اليوم, ربما متسخ.

"أنا و خالد إتخانقنا أول إمبارح..."

ذهبا ليجلسا على كورنيش جاردن سيتي. كانت تحمل حقيبة بها طورموس شاي و كوبين و كان هو معه علبة الكيك. على المقعد الخشبي القديم جلسا يحتسيان الشاي و يأكلا كيك سادة. لففت قدمها حول قدمه من حين لأخر و عندما شعر بالبرد, أصرت أن يلف شالها حول كتفيه.

يريد أن يأتي ليقابل والديها في أقرب وقت ممكن. حاولت أن تفهمه أن هذا ليس وقت جيد لأنها مازالت تذهب إلى الدكتور خيري و ستبدأ علاج جديد الأسبوع المقبل. لا تريد أن تشغل أبويها بأكثر من ذلك ألان. ضايقه كلامها, و خاف أن تكون هذه حجة لإبعاده عنها.

من جاردن سيتي إلى سيارته في الأوبرا و طوال الرحلة في سياراته حتى منزلها في الزمالك، أقنعته أن ينتظر حتى نهاية الشهر. في ظلمة الشارع السوداء لمعت عيناهما و هما يتذوقا بعض للمرة الأولى, قبل أن تصعد للشقة.

24 نوفمبر

"هنبتدي العلاج الجديد النهاردة إن شاء الله, اتكلمت مع ماما و شرحتلها زي ما شرحتلك. قوليلي بقى عملتي إيه الأسبوع إللي فات؟"

ابتسمت, "قضيت يوم التلات مع خالد في الشغل..."

قابلته أمام مدخل المركز الثقافي الساعة 3. عرفها على حراس الأمن محمد و عاطف و على السكرتيرة مدام سناء. أخذها إلى القاعة الكبيرة التي يعلم فيها الأطفال. بسقفها العالي و الباركيه اللامع كانت كغرفة في قصر. قسمت الغرفة نصفان في ذهنها و كان البيانو الضخم الأسود في النصف الأيمن. جلست بجانب النافذة الوحيدة المفتوحة من بين ستة نوافذ طويلة, يمكنها أن تمر عبرهم دون أن تنحني. كان معها كتاب تقرأ فيه بينما ينتهي هو من عمله.

أختلست نظارات إليه بين حين و أخر و هو يجلس منحني الظهر ليكلم تلميذة أمام مفاتيح البيانو. تحركت أصابعه الطويلة مع أصابع أخرى صغيرة و مع الموسيقى اهتزت رأسه و هو يدندن, و تقع تموجات شعره البني على عيناه.

رحل أخر تلاميذه لليوم و بقيت هي و هو و البيانو في غرفة واسعة. جلست بجانبه يتكلما على إيقاع نغمات غير متناسقة. أخرج من بين ورقه نوتة موسيقية بخط يده عليها اسمها. بدأت المقطوعة هادئة و بطيئة مثلها أول مرة قابلها. ثم بدأت تسرع شيء بشيء كأنها تأخذ راحتها في الغرفة. و هي مغمضة العينان تركت حذائها تحت المقعد و وقفت في النصف الأيسر من القاعة, يتلوى جسدها مع كل مفتاح تطرقه أصابعه. انتهت المقطوعة و وقفت كأنها تملك نصف العالم بين راحة يديها كما ملكت قلبه.

1 ديسمبر

"عاملة إيه مع الدوا الجديد؟ عرفت من ماما إنك رفضتي تاخديه كام مرة كدة. إنت لسه بتشوفي خالد؟"

كرهت النظارة الجديدة اكثر مما كرهت السابقة. أغمضت عيناها, ربما لو لم تكره النظارة القديمة لبقي الحال كما هو.

"بشوفه ف كل حتة, هوه ف كل مكان و ف كل حاجة, ماشوفهوش إزاي؟"

لم تستطع النوم من الحبات الصغيرة التي تمنت لو لم تضطر أن تأخذها. أخذت منها كوابيسها و معها الأحلام. قضت أول يومان تدعو أن يكون الواقع هو الهلاوس و الهلاوس هي الواقع. كان الشهر الماضي الوقت الوحيد في حياتها التي شعرت فيه أن الحياة تستحق كل تلك المعاناة. بكت كثيرا و تذكرت القليل. لا يزال هناك, تراه أحيانا في ركن من أركان الحجرة أو على السرير. لا يتكلم أبدا. أحيانا يختفي كما اختفى ذلك اليقين أنها إذا مدت يدها لتلمسه سيغمرها دفئه.

أغمضت عيناها و تمنت لو تلاشى ديسمبر و يناير و فبراير و مارس و أصبحت في إبريل.

تعليقات

‏قال تسـنيم
يا لهووووووووووووووووووووي عليكي

اييه ده يا بنوتة...؟

فظيييييعة بصي احتاجت أقراها مرتين علشان أتأكد انها استوحت خالد من شخصية الدكتور بالبالطو الأبيض وإن خالد في خيالها وبــس وأنها بتتعالج نفسي وعندها شيزوفريناوالداوا الجديد اتسبب إن ملامح خالد تختفي وتظهر ملامح الدكتور بالنضارة اللي هيا شافتها جديدة ومحبتهاش ومن غير البالطو اللي هيا شايفاه رمز للحنية

بصي بجد يخرب عقلك علشان مش سهل حد ياخد باله من كل ده انتي حابكة الخيوط صح ولعبتيها في الجوووووون


ارجعي عندي في أرشيف شهر أغسطس واقري شيزوفرينيا اللي كنت كاتبها



انتي عبقرية والله وفنانة
‏قال تــسنيـم
انتي فييييييييييييييييييين؟

مختفية كل ده فين
‏قال Zainab
تسنيم, معلش كنت مختفية فترة بس فعلا متشكرة جدا على التعليق بتاعك ده. مبسوطة اوي إت القصة عجباكي, بجد شكرا. رفعتي معنوياتي!!!
‏قال nudy
ساعات كتير الوحده بتخلينا نخترع شخص نحبه او بنشوف شخص قدامنا بشكل مش حقيقي ح اقول ايه الله يقطع الوحده وسنينها
ايه ده يا زينب

تصدقى اول مرة احس حجم موهبتك اد ايه ، انتى موهوبة اوى و مش بتكتبى و خلاص زى ما كنتى مفهمانا ده انتى جواكى كنورز


حبيت النص اوى

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

زرع بصل

من البحر

Perhaps, Hands